فضل الأشهر الحرم
الدكتور/ بدوى حسن
مقدمة
الأشهر الحرم أشهر كريمة فاضلة لها حرمتها
عند الله تعالى ، اختصها ربنا دون شهور العام فأمر بتعظيم حرمتها ، ونهى عن
الظلم فيها ، فهذا نداء الله تعالى للمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا
الْقَلَائِدَ) ( المائدة أية 2) قال بن كثير : شعائر الله محرمة ،أى لا تحلوا محارم
الله التي حرمها لله تعالى ؛ولهذا قال تعالى (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) (
المائدة أية 2)، يعنى بذلك تحريمه ، والاعتراف بتعظيمه ،وترك ما نهى الله عن تعاطيه
فيه من الابتداء بالقتال ،وتأكيد اجتناب المحارم .
تعيين الأشهر الحرم
قال تعالى (عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا
فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ)(التوبة:من الآية 36)
وأخرج البخارى ومسلم من حديث أبى بكرة أن النبى - صلى الله عليه
وسلم- خطب ففى حجة الوداع فقال فى خطبته "إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق
الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات :
ذي القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر
والذى بين جمادى وشعبان ".
فقد بين القرأن الكريم أن السنة القمرية التى بها حساب الشرع مقسمة إلى
اثنى عشر شهراً، وقد احتص الله من بينهم أشهر جعلها حرماً وقد بين الحديث تعيين
هذه الأشهر الأربعة ، أنها ثلاثة أشهر متوالية وهى ذى القعدة وذى الحجة والمحرم
،وشهر رجب الذى يقع بين جمادى وشعبان ، وهو الشهر الذى تحرمه قبيلة مضر فى
الجاهلية وتسميه باسمها ، وليس الشهر الذى كانت تحرمه قبيلة ربيعة بدلاً منه وهو
رمضان ؛ حيث إنهم كانوا يبدلون الأشهر الحرم حسب أهوائهم ،حتى حاء الإسلام فردَّ
الأمور إلى نصابها
موقف أهل الجاهلية من الأشهر الحرم
كان أهل الجاهليه قبل بعثة النبى – صلى الله عليه وسلم – يعرفون بقايا
من الدين الذى كان عليه إبراهيم – عليه السلام ،ومنها حج بيت الله الحرام ، وتعظيم
حرمة بلد الله الآمن - مكه- وكذلك كانوا
يعرفون حرمة تلك الأشهر الحرم الأربعة ، فقد كانوا يُعظمونها ويُعيِّرون بعضهم إذا
انتهكت حرمتها ، ويظهر ذلك واضحاً فى تعظيمهم لشهر رجب وبالذبح والصيام ، وكذلك
بقية الأشهر الحرم بالتوقف عن القتال فيها.
روى مبارك بن فاضلة عن الحسن قال: ليس فى الإسلام عتيرة ، إنما كانت
العتيرة فى الجاهلية، وكان أحدهم يصوم رجباً ويعتر فيه ، أى يذبح فيه ذبيحة ، وروى
ابن كثير فى قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)
( البقرة : من الآية 217) أن عبد الله بن جحش ومن كان معه من الصحابة تربصوا
للمشركين فى آخر يومين من رجب فقتلوا منهم وأصابوا عيرهم ،قالت قريش : قد استحلَّ
محمدٌ وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا الدماء ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال ، فقد اعتبر أهل
الجاهليه ذالك عيباً فى الشعهر الحرام واستحلالاً له ، وسيأتى تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وتبرئة القرآن للمسلمين من تلك التهمة.
غير أن أهل الجاهلية كثيراً ما كانت تتحكم فيهم الأهواء ، فتارة يحلون
ماحرم الله ، وأخرى يحرمون ماأحل الله، وثالثة يبدلون فى الشرائع والأحكام ، فما
كانوا يسيرون على الجادة ، وقد لجاء أهل الجاهلية إلى حيلة يحتالون بها على حرمة
تلك الأشهر ،فيتحقق لهم بذلك مايريدون من انتهاك الحرمات فيها ،ويسلمون من لوم
الناس لهم ،فبدُّلوا بعض الأشهر الحرم بغيرها من الشهور، فيحرمونها مكانها ،
ويحلوا ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك فيبقى الأشهر الحرم
أربعة ، وإن كانت مبدلة ، ويرون بذلك أنهم لم ينتهكوا الحرمات.
وقد أبطل الإسلام ذلك وسماه (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)( التوبة :من الآية
37) وردَّ الأمر إلى الحق الذى كان عليه يوم خلق الله السماوات والأرض .
قال تعالى : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ
بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا
لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ
زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ) ( التوبة: 37) ، وقد عدُّ الإسلام تبديل الشرائع – بالتحليل والتحريم – نوعاً من
أنواع الكفر الذى ارتكبته الجاهلية ، وحذَّر المسلمين من ذلك ، فقال تعالى : (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ
الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ) ( المائدة أية 2) .
تابعونا فى المقال القادم مع تحياتى د/ بدوى حسن
