يعتمد ابن رشد (الحفيد) في كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" منهجاً أصولياً مقارناً، حيث يهدف إلى إثبات مسائل الأحكام بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها، مما يجري مجرى الأصول والقواعد، لتمكين المجتهد من معرفة الأحكام للمسائل المسكوت عنها في الشرع.
ويمكن إجمال القواعد والأصول الفقهية التي يعتمدها ابن رشد في استنباط الأحكام ومناقشة الخلافات الفقهية، بناءً على المصادر المتاحة، فيما يلي:
أولاً: الأصول الأساسية لتلقي الأحكام الشرعية (الأدلة)
يبين ابن رشد في مقدمة كتابه الطرق التي تلقيت منها الأحكام الشرعية، وهي بالجنس ثلاثة:
- اللفظ (النصوص الشرعية): وهو ما يصدر عن الشارع من قول.
- الفعل: وهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل، وهو عند الأكثر من طرق تلقي الأحكام الشرعية.
- الإقرار: وهو ما سكت عنه الشارع، ويدل على الجواز.
كما يعتمد على الأدلة الأربعة المشهورة في الفقه المقارن:
- الكتاب (القرآن الكريم): وهو الأصل الذي ينطلق منه في بحث المسائل الفقهية.
- السنة النبوية: وهي من الأصول المعتمدة في الإثبات.
- الإجماع: ويرى أن الإجماع ليس أصلاً مستقلاً بذاته من غير استناد إلى أحد الطرق المذكورة (اللفظ أو الفعل أو الإقرار)، ولكنه إذا وقع في واحد منها نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع.
- القياس الشرعي: وهو الحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبه أو لعلة جامعة بينهما. وهو صنفان: قياس الشبه وقياس العلة. وقد اتفق الجمهور على أن القياس طريق للوقوف على الأحكام المسكوت عنها، بينما يراه أهل الظاهر باطلاً في الشرع.
ثانياً: قواعد الاستدلال اللفظي والأصول المتعلقة بالنص
اعتمد ابن رشد قواعد أصولية دقيقة في تحليل النصوص ومناقشة أسباب الاختلاف، ومن أهمها:
-
أصناف الألفاظ التي تتلقى منها الأحكام:
- لفظ عام يُحمل على عمومه.
- لفظ خاص يُحمل على خصوصه.
- لفظ عام يُراد به الخصوص.
- لفظ خاص يُراد به العموم.
-
قواعد دلالات الألفاظ:
- النص: اللفظ الذي يدل على معنى واحد فقط. ولا خلاف في وجوب العمل به.
- المجمل: اللفظ الذي يدل على أكثر من معنى واحد بالسواء، ولا يوجب حكماً.
- الظاهر والمحتمل: اللفظ الذي تكون دلالته على بعض المعاني أكثر من بعض، فالأقوى يسمى ظاهراً، والأقل يسمى محتملاً، ويُحمل اللفظ المطلق على الظاهر حتى يقوم الدليل على حمله على المحتمل.
-
دلالة القياس اللغوي (التنبيه): ويدخل في ذلك التنبيه بالأعلى على الأدنى وبالأدنى على الأعلى وبالمساوي على المساوي. ومثاله تحريم الضرب والشتم من تحريم قول "أفّ".
-
الاستدلال بمفهوم المخالفة (دليل الخطاب): وهو فهم نفي حكم عن شيء ما من إيجابه لما عداه، أو إيجاب حكم لما عداه من نفيه عنه. ويُعد هذا أصلاً مختلفاً فيه بين العلماء.
-
قواعد الترجيح اللغوي:
- وجوب حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، حتى يدل الدليل على المجاز.
- مراعاة عدم الحذف في الآيات والألفاظ، فحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
- الخلاف في تقديم المطلق على المقيد أو العكس.
- الخلاف في دلالة الواو (واو العطف) على النسق والترتيب، أو على الجمع فقط.
ثالثاً: مناهج معالجة التعارض الظاهري وأسباب الاختلاف
أكثر ما يميز منهج ابن رشد هو تحرير سبب الاختلاف الفقهي بين الفقهاء. ويرى أن التعارض بين النصوص الشرعية هو تعارض ظاهري لا حقيقي.
تتمثل المذاهب الأساسية للفقهاء في التعامل مع النصوص المتعارضة ظاهرياً في:
- الترجيح: ترجيح أحد الأقوال أو الأدلة على الأخرى.
- الجمع: وهو مسلك يرى وجود تعارض في الظاهر، فيقوم بجمع وتوفيق بين الحديثين.
- النسخ: الحكم بأن أحد النصين المتقدم منسوخ بالمتأخر.
- الإسقاط: إبطال الحكم.
مذهب البناء (منهج ابن رشد الخاص): تفرَّد ابن رشد بمسلك "البناء" في التعامل مع النصوص الشرعية .
- مفهومه: يقوم على بيان كيفية تكامل النصوص الشرعية المختلفة الواردة في محل واحد، حيث يرى الباني أنه ليس هناك تعارض أصلًا بين النصوص، بل يرى بعضها يبني ويكمل بعضاً.
- الفرق بين الجمع والبناء: الجامع يرى أن هناك تعارضاً ظاهرياً فيجمع بين النصوص، أما الباني فلا يرى أن هناك تعارضاً أصلاً.
- شروط إعماله: يمكن تطبيق منهج البناء في كل حجتين فأكثر لم تتعارضا ووردتا في محل واحد وتساوتا ولو من وجه.
رابعاً: القواعد الفقهية والأصول العامة المعتمدة
استعان ابن رشد بعدة قواعد أصولية في ترجيح ما صح عنده من الأقوال:
- قاعدة براءة الذمة: التي عبَّر عنها بـ "سقوط الحكم حتى يثبت الدليل".
- قاعدة تأخير البيان: الاعتماد على أن "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز".
- الأصل في أفعال النبي: وجود خلاف بين العلماء حول ما إذا كانت أفعاله صلى الله عليه وسلم تُحمل على الوجوب أو على الندب.
- قاعدة اليقين في الشك: في باب الشك في الصلاة، يذهب قوم إلى أنه يُبنى على اليقين وهو الأقل، ولا يُجزئ التحري.
- المناسبة الشرعية (العلة): في ترجيح بعض الأحكام، يلاحظ ابن رشد مناسبة الحكم للعلة الشرعية أو العقلية. فمثلاً في مسألة إيجاب الوضوء من النوم، يراعى الاستثقال أو الطول أو الهيئة التي يكون منها خروج الحدث غالباً.
- قاعدة الترجيح بين العمومات والخصوصات: وذلك للنظر في أي عموم يُستثنى من الآخر وأي خصوص يُقدم، ويجب ألا يُصار إلى ذلك إلا بدليل.
ويمكن القول إن المنهج الأصولي لابن رشد كان حجاجياً ونقدياً، حيث لم يكتفِ بعرض الأقوال والأدلة، بل قام بتمحيصها والمقارنة بينها، ورد ما يستحق الرد وقبل ما يستحق القبول، معتمداً على ملكته العلمية الراسخة.