شكر الله على شهر الصيام: كيف تعبّر عن امتنانك بعد التمام؟


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الشكر قرين الإيمان، وجعله من أعلى المنازل عنده في الديانة، والصلاة والسلام على نبيه الهادي إلى سواء السبيل، أما بعد.

فإن منزلة الشكر في دين الإسلام منزلة سنية رفيعة، حتى قال بعض العلماء إنه يشطر الإيمان.

يعد شكر الله على شهر الصيام من أعظم العبادات التي يختم بها المسلم شهره الفضيل؛ فبلوغ رمضان وإتمامه نعمة تستوجب الحمد والثناء وقد اختتم الله آيات الصيام به، فقال في محكم تنزيله: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

قال ابن منظور في لسان العرب: "فالحمد شكر وزيادة، وأما الشكر فهو الثناء على المحسن بسبب ما قدم من معروف".

أولاً: فضل شكر الله على نعمة التمام

  • استمرارية النعم: الشكر هو "قيد النعم"، وبحمده تزداد البركة في العمل والرزق.
  • علامة القبول: يرى العلماء أن التوفيق للشكر بعد العبادة هو دليل على قبولها بإذن الله.
  • التميز بالخصال: خصه الله بصائمي رمضان بخصائص مثل المغفرة في آخر ليلة لمن أتم الصيام.

ثانياً: صور شكر الله على الصيام والقيام

  • الشكر باللسان: عبر ترديد صيغ الحمد المأثورة مثل "الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه".
  • الشكر بالعمل: ويكون بالمداومة على الطاعات، مثل صيام الست من شوال، والصدقة، وبر الوالدين.
  • سجود الشكر: السجود لله اعترافاً بفضله الذي مكنك من بلوغ ليلة القدر وإدراك مواسم الخير.

 

ثالثاً: درجات الشكر

وقد جزأ الإمام ابن القيم رحمه الله درجات الشكر إلى ثلاث، وجعل أرفعها وأسماها أن لا يشهد العبد إلا المنعم وحده، فقال في "مدارج السالكين": "الشُّكْرُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:

الدَّرَجَةُ الْأُولَى: الشُّكْرُ عَلَى الْمحَابِّ،

الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الشُّكْرُ فِي الْمَكَارِهِ،

الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَشْهَدَ الْعَبْدُ إِلَّا الْمُنْعِمَ.

فَإِذَا شَهِدَ الْمُنْعِمَ عُبُودِيَّةً: اسْتَعْظَمَ مِنْهُ النِّعْمَةَ.

وَإِذَا شَهِدَهُ حُبًّا: اسْتَحْلَى مِنْهُ الشِّدَّةَ.

وَإِذَا شَهِدَهُ تَفْرِيدًا: لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُ نِعْمَةً، وَلَا شَدَّةً..

وهَذِهِ الدَّرَجَةُ يَسْتَغْرِقُ صَاحِبُهَا بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ عَنِ النِّعْمَةِ".

وقال العلماء: "شُكر الطاعة طاعة مثلها". فشكر الصيام صيام مثله، وهكذا في سائر العبادات، بمعنى أنك صمت شهر رمضان، ولم ينته الصيام بعد، فلك أن تتبعه بست من شوال، والأيام الفاضلة كالاثنين والخميس وغيرها.

الفرق بين الحمد الشكر

ولهذا فَرْق بين الشكر والحمد: فالحمد باللسان، والشكر بالعمل، والشكر يكون من جنس النعمة التي أنعم الله بها عليك.

أرابعاً: المداوم على عمل صالح بعد رمضان

وإذا داوم العبد عليها وثبتها، فذلك دليل على قبولها عند الله، وكان هدي النبي ﷺ المداومة على الأعمال الصالحة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ" [رواه مسلم].

وأحب الأعمال إلى الله وإلى رسوله أدومها وإن قلت، قال رسول الله ﷺ: "أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ" [متفق عليه].

وقالت عائشة رضي الله عنها: "كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً" [رواه البخاري ومسلم].

فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وما دام العمل لله فإن الله جل وعلا سيقبله برحمته.

وبشرى لمن داوم على عمل صالح ثم انقطع عنه بسبب مرض أو سفر أو نوم: أنه يُكتب له أجر ذلك العمل. قال رسول الله ﷺ: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يعْمل مُقيما صَحِيحا" [رواه البخاري]، وذلك في حق من كان يعمل طاعة فحصل له ما يمنعه منها، وكانت نيته أن يداوم عليها. وقال ﷺ: "مَن أتى فراشَه، وهو ينوي أنْ يقومَ يُصلي من الليلِ، فغلبتْه عينُه حتى أصبحَ، كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من ربِّهِ" [أخرجه النسائي وابن ماجة بسند جيد].

ولهذا قال الله لآل داود: {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].

قال ثابت البناني: "بلغنا أن داود نبي الله جزّأ الصلاة في بيوته على نسائه وولده، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي، فعمّتهم هذه الآية: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}" [رواه ابن أبي شيبة].

فأمر الله آل داود بالعمل شكراً، لأن الفرق بين شكر القول وشكر العمل: أن شكر القول باللسان يسمى حمداً، وبالعمل يسمى شكراً، لذلك قال: اعملوا، ولم يقل: قولوا شكراً، لأن الشاكرين بالعمل قلة، ولهذا ختم الآية بقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.

مر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم برجل في السوق فإذا هو يدعو ويقول: "اللهم اجعلني من عبادك القليل.. اللهم اجعلني من عبادك القليل". فقال له عمر: من أين أتيت بهذا الدعاء؟ فقال الرجل: إن الله يقول في كتابه العزيز: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، ويقول: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24]، فأسأل الله أن يجعلني من هؤلاء القليل. فبكى عمر وقال: "كل الناس أفقه منك يا عمر" [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه والإمام أحمد في الزهد].

فشكر النعمة هو استخدامها فيما خلقت له؛ فإذا أكرمك الله بمال فلا تنفقه في حرام، لأن شكر النعم استخدامها في طاعة الله، وكفرها استخدامها في الفساد والإفساد. ولقد أنعم الله علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، وقال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18].

أيها المؤمنون: إن من تمام شكر النعمة بعد رحيل رمضان: حفظ ما جمع العبد من الحسنات، وترك المعاصي والسيئات، وألا يكون حاله كحال التي وصفها رب البريات بقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].

فعليكم بمداومة شكر العبادة؛ فشكر الصيام صيام مثله، وشكر الصلاة والقيام كذلك بالمثل، وشكر الإنفاق إنفاق مثله. وبذلك تكونون دائمي الشكر، مقتدين بحبيبكم ﷺ حيث قال: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".

إن ختام الشهر بعبادة الشكر يفتح للعبد أبواب المزيد من الفضل والهدى. اجعل شكرك لله منهجاً يومياً لا ينقطع برحيل رمضان، لتكون ممن قال الله فيهم {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.

"اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"

والحمد لله رب العالمين.


تعليقات