قصة الجساسة والمسيح الدجال: رحلة تميم الداري العجيبة في صحيح مسلم.

 "الصلاة جامعة" وحديث الساعة :
تبدأ قصة الجساسة والمسيح الدجال بموقف مهيب في المسجد النبوي، حين نادى المنادي "الصلاة جامعة" في غير وقت صلاة. جمع النبي ﷺ الناس ليخبرهم بخبرٍ وافق ما كان يحدثهم به عن الدجال، ولكن هذه المرة بشهادة شاهد عيان وهو الصحابي تميم الداري رضي الله عنه بعد إسلامه.
1. رحلة التيه في عرض البحر:
يروي تميم الداري أنه ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من قبيلتي لخم وجذام. تلاعب الموج بهم لمدة شهر كامل في رحلة مجهولة المصير، حتى أرفأوا (لجأوا) إلى جزيرة مجهولة عند مغرب الشمس. وهناك بدأت الأحداث تأخذ طابعاً غامضاً ومثيراً.
2. لقاء الجساسة: الدابة الغريبة :
بمجرد دخولهم الجزيرة، استقبلتهم دابة "أهلب" كثيرة الشعر، لدرجة أنهم لم يعرفوا قُبلها من دبرها.
  • سألوها: ويلكِ ما أنتِ؟
  • أجابت: أنا الجساسة.
  • مهمتها: وجهتهم إلى دير (صومعة) في الجزيرة، حيث ينتظرهم رجل "بالأشواق" لسماع أخبارهم.
3. المواجهة مع المسيح الدجال في الدير:
دخل الصحابة الدير فوجدوا أعظم إنسان رأوه قط في خلقه، مكبلاً بالأغلال، يداه إلى عنقه وما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. بدأ هذا الرجل (الذي تبين أنه الدجال) يسألهم عن علامات محددة في الأرض:
  1. نخل بيسان: هل يثمر؟ (فأجابوه بنعم، فقال يوشك أن لا يثمر).
  2. بحيرة طبرية: هل فيها ماء؟ (فأجابوه نعم، فقال يوشك أن يذهب ماؤها).
  3. عين زغر: هل ما زال أهلها يزرعون بمائها؟ (فأجابوه بنعم).
  4. نبي الأميين: ما فعل؟ (فأخبروه بظهوره وهجرته وانتصاره، فقال: خير لهم أن يطيعوه).
4. إعلان الهوية وتحريم مكة وطيبة :
في نهاية الحوار، كشف الرجل عن هويته قائلاً: "إني أنا المسيح"، وأخبرهم بقرب خروجه ليسير في الأرض كلها في أربعين ليلة، باستثناء مكة وطيبة (المدينة المنورة)، حيث يحرسهما الملائكة بسيوف مصلتة.
نص الحديث :

عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قالت:

سمعتُ منادي رسول الله ﷺ ينادي:

"الصلاة جامعة"،

فخرجت إلى المسجد، فصلّيت مع رسول الله ﷺ، فكنت في صفّ النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك،

فقال:

"ليلزم كل إنسان مصلاه"، ثم قال:

"أتدرون لِمَ جمعتكم؟"

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال:

"إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال،

حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدري ما قبله من دبره، فقالوا: ويلك ما أنت؟

فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا،

مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه، بالأحقاب،

قلنا: ويلك ما أنت؟

قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟

قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرًا، فأرفأنا إلى جزيرتك هذه، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدري ما قبله من دبره، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، فقلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة.

فقال: أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر،

قال: أخبروني عن بحيرة طبرية، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قلنا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب،

قال: أخبروني عن عين زغر، قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها،

قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟

قالوا: قد خرج من مكة، ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه،

قال لهم: قد كان ذلك؟

قالوا: نعم،

قال: أما إنه خير لهم أن يطيعوه،

وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح (أي الدجال)، وإني يوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فإنهما محرمتان علي، كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلْتًا، يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها."

ثم قال النبي ﷺ (لفاطمة):

"وإنه (أي تميم) قد حدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن الدجال".

خاتمة: تصديق النبوة :

بعد انتهاء القصة، ضرب النبي ﷺ بمخصرته على المنبر مؤكداً أن هذه هي "طيبة" (المدينة)، وأن حديث تميم الداري جاء مصدقاً لما كان يخبرهم به ﷺ عن الدجال ومكانه في بحر اليمن أو بحر الشام.

 مصدر الحديث:

صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجساسه.


تعليقات