يُعد كتاب "بداية المجتهد
ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد علامة فارقة في
الفقه المقارن؛ حيث لم يكتفِ بسرد الأقوال، بل غاص في أسباب
الخلاف الفقهي. في هذا المقال، نسلط الضوء على عبقرية ابن رشد في
تناول أدق مسائل الطهارة
والصلاة وكيفية
عرضها بمنهجية علمية رصينة.
تناول
ابن رشد مسائل الطهارة والصلاة الخلافية في كتابه "بداية المجتهد ونهاية
المقتصد" بمنهجية
الفقه المقارن ، حيث يعرض المسائل الفقهية المتفق عليها
والمختلف فيها، ويذكر أدلة كل فريق، وينبه على نكت الخلاف فيها، والتي تجري
مجرى الأصول والقواعد .
وقد استوعب الكتاب الأبواب الفقهية بدءاً بكتاب الطهارة، وفي كل باب
من أبواب الطهارة والصلاة يتناول ابن رشد المسائل الخلافية والأصول التي أدت إلى
هذا الاختلاف، معتمداً على الأدلة الأربعة المشهورة (الكتاب، والسنة، والإجماع،
والقياس).
فيما يلي تفصيل لتناول ابن رشد للمسائل الخلافية
في الطهارة والصلاة وأسبابها الفقهية:
أولاً:
مسائل الطهارة الخلافية وأسبابها الفقهية (كتاب الطهارة)
يبدأ ابن رشد كتابه بكتاب الطهارة، ويقسمه إلى أبواب، منها الوضوء و الغسل و التيمم و النجاسات .
الوضوء
يتناول ابن رشد أصول عبادة الوضوء في خمسة أبواب، ويتعلق بها مسائل
مشهورة تجري مجرى الأمهات، ومن أمثلة المسائل الخلافية وأسبابها:
المسألة
الخلافية : اشتراط
النية في الوضوء
أقوال
الفقهاء
فريق يرى أنها شرط (الشافعي، مالك، أحمد)، وفريق يرى أنها ليست بشرط
(أبو حنيفة، الثوري).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تردد
الوضوء بين كونه عبادة محضة (يُقصد بها القربة فقط، وتفتقر إلى النية)،
وبين
كونه عبادة معقولة المعنى (كنظافة وغسل نجاسة، ولا تفتقر إلى النية).
المسألة
الخلافية :غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء
أقوال
الفقهاء
أقوال متعددة تتراوح بين: سنة بإطلاق، ومستحب للشاك، وواجب على
المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، وواجب على المنتبه من النوم مطلقاً (داوود
وأصحابه).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اختلافهم
في مفهوم حديث أبي هريرة (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده)؛ فمن رأى أن
الزيادة في الحديث على آية الوضوء لا تعارضها، حمل لفظ الأمر على الوجوب .
ومن رأى التعارض، أخرج لفظ الأمر إلى الندب.
كما اختلفوا في دلالة لفظ "البيات" على نوم الليل أو مطلق
النوم.
المسألة
الخلافية :المضمضة والاستنشاق
أقوال الفقهاء
قول بأنّهما سنتان (مالك، شافعي، أبو حنيفة)، وقول بفرضيتهما، وقول
بأن الاستنشاق فرض والمضمضة سنة (أبو ثور، أهل الظاهر).
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اختلافهم
في السنن الواردة فيهما ؛ هل هي زيادة تقتضي معارضة آية
الوضوء، أو لا تقتضي ذلك.
المسألة
الخلافية :مسح الرأس
أقوال الفقهاء
مالك يرى وجوب مسحه كله، والشافعي وأبو حنيفة يريان مسح بعضه (تحديد
الربع عند أبي حنيفة).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
الاشتراك
الذي في حرف الباء في قوله تعالى: "وامسحوا برؤوسكم" ، حيث
تكون الباء مرة زائدة (فتوجب مسح الكل)، ومرة تدل على التبعيض (فتوجب مسح
البعض).
المسألة
الخلافية :الموالاة في الوضوء (التتابع)
أقوال الفقهاء
مالك يرى أنها فرض مع الذكر والقدرة، ساقطة مع النسيان والعذر.
الشافعي وأبو حنيفة يريان أنها ليست من الواجبات.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
الاشتراك
الذي في الواو في العطف، إذ تعطف الأشياء المتتابعة، وقد تعطف الأشياء
المتراخية.
المسألة
الخلافية :مسح الخفين
أقوال الفقهاء
قول بالجواز مطلقاً (جمهور الفقهاء)، وقول بجوازه في السفر دون الحضر،
وقول بالمنع بإطلاق (مذهب ابن عباس).
الظن
بوجود تعارض بين آية الوضوء التي أمرت بغسل الأرجل وبين الآثار الواردة
بالمسح.
ومن أسباب الاختلاف أيضاً اختلافهم في وجوب العمل بالأثر (حديث المغيرة) و القياس.
الغسل
(الطهارة الكبرى)
تناول ابن رشد الغسل المتعلق بالجنابة والحيض والنفاس [62،
67].
المسألة الخلافية :التدلك
(إمرار اليد على جميع الجسد)
أقوال الفقهاء
أكثر العلماء يرون أن إفاضة الماء كافية. مالك يرى أنه إن فات موضع
واحد لم يمر يده عليه، لم يكمل طهره.
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
معارضة
ظاهر الأحاديث الواردة في صفة الغسل (كحديث عائشة وميمونة التي لم تذكر
التدلك)، لقياس الغسل على الوضوء (الذي يتم بالتدلك/التحريك).
المسألة
الخلافية :إيجاب الغسل من الوطء
أقوال
الفقهاء
الجمهور يرى وجوب الطهر من التقاء الختانين أنزل أو لم
ينزل.
وبعضهم يرى الوجوب مع الإنزال فقط.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تعارض
الأحاديث ، خاصة حديث أبي هريرة (إذا قعد بين شعبها الأربع... وجب الغسل) وحديث
عثمان (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة).
والجمهور يرى أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث عثمان.
المسألة
الخلافية :وطء المستحاضة
أقوال الفقهاء
قوم يجيزونه (جمهور فقهاء الأمصار). وقوم يمنعونه (عائشة، النخعي).
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
هل إباحة الصلاة لها رخصة (لتأكيد وجوب الصلاة) أم حكمها حكم الطاهر ؟.
التيمم
المسألة
الخلافية :التيمم بدل عن الطهارة الكبرى
(الغسل)
أقوال الفقهاء
عامة الفقهاء يرون التيمم بدلاً من الطهارتين الصغرى والكبرى، وقول
بعدم كونه بدلاً من الكبرى (عمر وابن مسعود).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
الاحتمال
الوارد في آيات التيمم ، وهل الضمير في قوله تعالى: "فلم تجدوا
ماء" يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط أو عليهما معاً.
المسألة
الخلافية :قصر التيمم على الوجه والكفين
أقوال الفقهاء
أقوال متعددة: القصر على المرافق (كحد الوضوء)، أو على الكف فقط، أو
الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان.
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اشتراك اسم اليد في لسان العرب (على الكف، أو الكف والذراع، أو الكف والساعد). و اختلاف الآثار ، مثل حديث عمار.
النجاسات (الطهارة من الخبث)
المسألة الخلافية :حكم
إزالة النجاسة
أقوال الفقهاء
قوم قالوا بالوجوب (أبو حنيفة، الشافعي). قوم قالوا إنها سنة مؤكدة.
وقول بأنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان (عن مالك).
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اختلافهم
في قوله تعالى: "وثيابك فطهر" هل هو على الحقيقة (فتجب إزالة
النجاسة)، أو على المجاز (كناية عن طهارة القلب).
كما أن هناك تعارضاً في ظواهر الآثار (كحديث صاحبي القبر
الذي يدل على الوجوب، وحديث عدم قطع النبي الصلاة عند رمي سلى الجزور عليه، الذي
يدل على عدم الوجوب).
المسألة الخلافية :بول
وروث الحيوان المأكول اللحم
أقوال
الفقهاء
الشافعي وأبو حنيفة يريان نجاسة جميع الأبوال والأرواث. ومالك يرى
أنها تابعة للحومها، فما كان لحمه مأكولاً ففضلاته طاهرة.
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اختلافهم
في مفهوم إباحة الصلاة في مرابض الغنم (هل يدل على طهارة أبوالها أم هو
تعبد)، وقياس سائر الحيوان على الإنسان.
المسألة
الخلافية :المني
أقوال الفقهاء
مالك وأبو حنيفة يرون نجاسته. الشافعي وأحمد وداود يرون طهارته.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اضطراب الروايات في حديث عائشة (كنت أغسل ثوب رسول الله من المني، وفي
بعضها: كنت أفركه).
وتردده بين أن يُشبه بالأحداث النجسة (كالخارج من البدن) وبين أن يُشبه بالفضلات الطاهرة (كاللبن).
ثانياً: مسائل الصلاة الخلافية وأسبابها الفقهية (كتاب الصلاة)
تناول ابن رشد أحكام الصلاة في أربع جمل رئيسية: الوجوب، والشروط، والأركان، والقضاء والجبران. ومن أهم المسائل الخلافية التي ذكرها في الشروط والأركان ما يلي:
شروط
الصلاة (الأوقات، الطهارة من النجس، ستر العورة، إلخ)
المسألة الخلافية :اشتراك
أول وقت العصر مع آخر وقت الظهر
أقوال الفقهاء
مالك والشافعي يرون أن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر (اشتراك).
أبو حنيفة يرى أن أول وقت العصر يكون إذا صار ظل كل شيء مثليه (عدم
اشتراك).
مالك
يرى الاشتراك يكون بقدر ما تُصلى فيه أربع ركعات، والشافعي يرى أنه زمان غير منقسم.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
معارضة حديث جبريل (يقتضي الاشتراك في وقت مشترك)، **لحديث عبد الله
بن عمرو (وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر).
المسألة
الخلافية :الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
أقوال
الفقهاء
مالك يرى أنها أربعة (الطلوع، الغروب، وبعد الصبح، وبعد العصر)، وأجاز
الصلاة وقت الزوال.
الشافعي يرى أنها خمسة (بإضافة وقت الزوال) إلا يوم الجمعة.
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
معارضة
الأثر للعمل (مالك وجد العمل بالمدينة على وقتين فقط)، و معارضة الأثر
للآثار الأخرى* (في الصلاة بعد العصر).
المسألة
الخلافية :صلاة الجماعة
أقوال
الفقهاء
الجمهور يرى أنها سنة أو فرض على الكفايات. الظاهرية يرون أنها فرض
متعين على كل مكلف.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تعارض
مفهوم الآثار ، كحديث (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) الذي قد
يوهم أن الفضل في الزيادة لا في الوجوب.
المسألة
الخلافية :حكم ستر العورة
أقوال
الفقهاء
مالك يرى أنها من سنن الصلاة. أبو حنيفة والشافعي يريان أنها من فروض
صحة الصلاة.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تعارض الآثار ، و اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: "خذوا زينتكم عند كل مسجد" هل هو أمر بالوجوب (بستر العورة) أو بالندب (بالزينة الظاهرة).
أركان
الصلاة (الأقوال والأفعال)
المسألة
الخلافية :تكبيرات الانتقال
أقوال
الفقهاء
الجمهور أوجبوا تكبيرة الإحرام فقط. قوم أوجبوا التكبير كله.
قوم جعلوا التكبير كله نفلاً.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
معارضة
ما نُقل من قوله صلى الله عليه وسلم (حديث الرجل الذي علمه الصلاة، الذي
يُفهم منه وجوب التكبيرة الأولى فقط) لما نُقل من فعله (حديث أبي
هريرة وعمران بن حصين أنه كان يكبر كلما خفض ورفع، مما يقتضي الوجوب).
المسألة الخلافية :قراءة
البسملة في الصلاة
أقوال
الفقهاء
مالك منعها في المكتوبة.
الشافعي أوجبها جهراً في الجهر وسراً في السر ويرى أنها آية من
الفاتحة.
أبو حنيفة والثوري وأحمد يقرؤونها سراً.
سبب
الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
اختلاف
الآثار في الجهر والإسرار بها، و اختلافهم هل البسملة آية من الفاتحة أم لا .
المسألة
الخلافية :القراءة الواجبة في الصلاة
أقوال
الفقهاء
الشافعي ومالك: الواجب أم القرآن (في كل ركعة عند الشافعي، أو في
ركعتين عند مالك).
أبو
حنيفة: الواجب قراءة القرآن أي آية اتفقت (ثلاث آيات قصار أو آية طويلة).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تعارض
ظاهر الكتاب للأثر .
فظاهر قوله تعالى "فاقرأوا ما تيسر منه" يعضد قول أبي
حنيفة.
بينما أحاديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب" تقتضي أن الفاتحة شرط.
المسألة
الخلافية :الجلسة الوسطى والأخيرة
أقوال
الفقهاء
الجمهور: الوسطى سنة، والأخيرة فرض. قوم شذوا يرون الوسطى فرضاً.
وآخرون يرون الأخيرة سنة.
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
تعارض
مفهوم الأحاديث (حديث أبي هريرة يوجب الجلوس كله)، وقياس إحدى
الجلستين على الأخرى .
المسألة
الخلافية :التشهد
أقوال الفقهاء
الجمهور يرون أنه ليس بواجب (مالك وأبو حنيفة).
فريق يرى وجوبه (الشافعي وأحمد).
سبب الاختلاف الفقهي (نكتة الخلاف)
معارضة
القياس لظاهر الأثر .
فالقياس يقتضي إلحاقه بسائر الأذكار غير الواجبة.
وظاهر حديث ابن عباس (كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) يقتضي الوجوب.
منهج
ابن رشد في معالجة التعارض
أشار ابن رشد في مقدمة كتابه إلى ستة أصناف من أسباب
الاختلاف، أولها تردد الألفاظ، وسادسها التعارض في النصوص أو الأفعال أو الإقرارات [4،
381].
وقد أشار البحث المستمد من المصدر إلى أن ابن رشد يرى أن التعارض بين
النصوص الشرعية هو ظاهري وليس حقيقي .
ومن مناهج معالجته للتعارض الظاهري:
1. الترجيح
والنسخ: يذكر
مذاهب الفقهاء في الترجيح أو النسخ بين الأحاديث المتعارضة.
2. الجمع: يذكر
مذاهب الفقهاء في الجمع والتوفيق بين النصوص.
3. البناء: تفرد
ابن رشد بمذهب "البناء" في التعامل مع النصوص، والذي يقوم
على بيان كيفية تكامل النصوص الشرعية المختلفة الواردة في محل واحد .
ويرى الباني أنه ليس هناك تعارض أصلاً بين النصوص، بل يرى بعضها
يبني ويكمل بعضاً.
مثال على منهج البناء في الصلاة (المواضع التي لا يصلى فيها):
في مسألة المواضع التي لا يُصلى فيها، حيث تتعارض أحاديث الإباحة
العامة للصلاة في أي مكان ("جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً") مع أحاديث
النهي الخاصة عن الصلاة في سبعة مواضع.
رأى ابن رشد أن هذا الموقف يقتضي البناء ؛ أي بناء الخاص على العام ، فحيث إن حديث الإباحة عام وحديث النهي خاص، فيجب أن يبنى العام على الخاص ، فيستثنى من إباحة الصلاة في الأرض المواضع التي ورد النهي فيها.
