دليلك الشامل لأحكام المياه في فقه الحنفية: قراءة في كتاب "نور الإيضاح".

"أحكام المياه في نور الإيضاح"

ما هي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمياه (أحكام المياه) كما وردت في "نور الإيضاح"؟

إن كتاب "نور الإيضاح ونجاة الأرواح" للمؤلف حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي الحنفي هو متن شهير ومهم في الفقه الحنفي، ويشمل مواضيع العبادات، وقد بدأ بالحديث عن الطهارة  باعتبارها مفتاح الصلاة. وقد فصّل الشيخ رحمه الله أحكام المياه كونها الآلة التي تستخدم في التطهير.

أهم النقاط التي ركز عليها "نور الإيضاح" في المياه:

1.    تقسيم المياه: الماء الذي يجوز به التطهير (المطلق)، والماء الذي لا يجوز (المقيد/المستعمل).

2.    أحكام الماء الراكد والجار: متى يعتبر الماء "كثيراً" لا ينجس إلا بالتغير، ومتى يعتبر "قليلاً".

3.    أحكام الآبار: وهي من المسائل التي يتميز بها الفقه الحنفي بتفصيل دقيق.

4.    الأسآر (بقايا شرب الحيوانات): حكم طهارة الماء بعد شرب الهر، أو الكلب، أو السباع منه.

فيما يلي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمياه كما وردت في "نور الإيضاح" وفقاً للمصادر:

أولاً: المياه التي يجوز التطهير بها (الأنواع السبعة)

ذكر الشيخ أن المياه التي يجوز التطهير بها، أي الوضوء والغسل، هي سبعة مياه:

1.    ماء السماء.

2.    ماء البحر.

3.    ماء النهر(الأنهر العذبة كنهر النيل)

4.    ماء البئر (أي بئر محفور في الأرض)

5.    ما ذاب من الثلج والبرد الجليد .

6.    ماء العين التي تظهر على الأرض .

ثانياً: أقسام المياه من حيث حكم التطهير بها (الأقسام الخمسة)

تنقسم المياه، بغض النظر عن مصدرها (السبعة أنواع المذكورة أعلاه)، إلى خمسة أقسام من حيث الحكم الفقهي المتعلق بجواز التطهير بها.

 طاهر مطهِّر غير مكروه (الماء المطلق)

وهو الماء الذي يبقى على أصل خلقته (لم يخالطه شيء نجس). وهو طاهر في ذاته ومطهِّر لغيره، ولا يكره استعماله.

 طاهر مطهِّر مكروه

هو الماء الذي يكون طاهراً في نفسه ويطهر لغيره، ولكن يكره استعماله في حال وجود ماء غير مكروه أفضل منه. ومثال هذا الماء هو ما شربت منه الهِرَّة (القطة) ونحوها. (يُكره استعماله لأن القطة قد تكون أكلت نجاسة قبل الشرب، فيكون مكروهاً في حالة التوهم/الشك، أما إذا تأكد الإنسان من طهارة فمها، فيكون طاهراً مطهراً غير مكروه، وإن تأكد من نجاسة فمها، فإنه يصبح نجساً .

 طاهر غير مطهِّر

وهو الماء الطاهر في ذاته (يجوز شربه أو غسل الثياب به) لكنه لا يطهر غيره (لا يمكن استخدامه في الوضوء أو الغسل) .

 ويندرج تحت هذا القسم ما يلي:

  • الماء المستعمل: وهو الماء الذي استُعمل لرفع حدث (كالوضوء الذي رفع حدثاً) أو لـقربة (كالتوضؤ على وضوء بنية الثواب والقربة، أو غسل اليد للطعام بنية اتباع السنة).
  • يصبح الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن العضو الذي استخدم فيه لرفع الحدث أو القربة.
  • ماء الشجر والثمر: لا يجوز التطهير به، سواء عُصر أم خرج من الشجرة أو الثمرة بنفسه من غير عصر، وهو الأظهر.
  • الماء الذي زال طَبعه بالطبخ أو بغلبة غيره عليه .

ثالثاً: أحكام اختلاط الماء بغيره (الغلَبة)

فصّل الشيخ في حكم الماء الذي يختلط به شيء آخر، وهل يؤثر هذا على طهوريته. ويتم التفريق بين الجامدات والمائعات:

أ. الغلَبة في مخالطة الجامدات (الأشياء الصلبة)

الغلَبة في الجامدات تكون بـإخراج الماء عن طَبْعه. وطبع الماء هو الرِّقة والسَّيلان (السيولة والشفافية).

  • لا يضر تغير أوصافه (الطعم، اللون، الريح) كلها أو بعضها بجامد طاهر (كالزعفران والفاكهة وورق الشجر) ، طالما أن الماء ما زال محافظاً على رِقته وسيلانه.
  • إذا أخرج الجامد الماء عن طبعه (كأن صار غليظاً أو متكتلاً)، فلا يجوز التطهير به.

ب. الغلَبة في مخالطة المائعات (الأشياء السائلة)

تكون الغلَبة هنا بـظهور أوصاف المائع على الماء، وليس بظهور طبع الماء:

1.    إذا كان المائع له ثلاثة أوصاف (كالخل أو القهوة)، فتكون الغلبة بظهور وصفين من الثلاثة في الماء ، فإن ظهر وصف واحد أو لم يظهر شيء، يبقى الماء طاهراً مطهراً.

2.    إذا كان المائع له وصفان فقط (كاللبن)، فتكون الغلبة بظهور وصف واحد منهما.

3.    إذا اختلط الماء المطلق (الطاهر المطهر) بماء مائع لا وصف له يميزه (كالماء المستعمل أو ماء الورد المنقطع الرائحة)، فالعبرة تكون بـغلَبة الأجزاء (الوزن أو الحجم). فإذا غلب الماء المستعمل في الوزن، صار الماء كله مستعملاً (طاهر غير مطهر)، والعكس صحيح  .

 الماء النجس

هو الماء الذي حلت فيه نجاسة. ويختلف حكمه بناءً على قلّته وكثرته، وجريانه وركوده:

  • الماء القليل الراكد: ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، حتى وإن لم يظهر أثر النجاسة (طعم أو لون أو ريح) . ويُحدَّد القليل بما كان دون عشرة أذرع في عشرة أذرع .
  • الماء الكثير الراكد أو الجاري: لا ينجس إلا إذا ظهر فيه أثر النجاسة (طعم أو لون أو ريح)، (العشرة في عشرة (أي ما فوقها) تُعتبر ماءً كثيراً).

 ماء مشكوك في طهوريته

وهو الماء الذي يُشك في كونه يرفع الحدث، ولكنه في ذاته طاهر.

  • مثالهسؤر البغل والحمار (الماء المتبقي من شربهما) .
  • حكمه: إن لم يجد المتوضئ غير هذا الماء، فإنه يتوضأ به ويتيمم، ثم يصلي. (وهذا لرفع الشك؛ فإن كانت الطهورية ثابتة فتم الوضوء، وإن لم تكن ثابتة، فالتيمم هو الذي طهّره). 

رابعاً: أحكام سؤر الحيوانات (الماء المتبقي بعد شربها)

ينقسم سؤر الحيوانات إلى أربعة أقسام:

1.    طاهر مطهِّر: سؤر الآدمي، والفرس، وما يؤكل لحمه( كالبقر والإبل).

2.    نجس لا يجوز استعماله: سؤر الكلب، والخنزير، وشيء من سباع البهائم (كالفهد والذئب) .

3.    مكروه استعماله مع وجود غيره: سؤر الهرَّة (القطة)، والدجاجة المخلّاة، وسباع الطير (كالصقر والحِدَأَة)، وسواكن البيوت (كالفأرة والعقرب).

4.    مشكوك في طهوريته: سؤر البغل والحمار.

هذه الأحكام تمثل أساسيات فقه المياه في المذهب الحنفي، كما تناولها متن "نور الإيضاح".

لفهم الفرق بين طبع الماء وأوصافه، يمكن تشبيه الأمر بالآتيطبع الماء هو هيكله الأساسي وقوامه (كالزجاج الشفاف والسائل)، بينما أوصاف الماء هي لون الطلاء الذي يُصبغ به هذا الزجاج (اللون، الطعم، الرائحة). فإذا اختلط بمسحوق طلاء جاف (جامد)، فإنه يغير لونه دون أن يغير من كونه زجاجاً سائلاً شفافاً؛ أما إذا اختلط بسائل آخر (مائع)، فإن السائلين يتحدان ويغلب أحدهما الآخر في تحديد هويتهما الجديدة.


تعليقات