ما هي الأسباب الأصولية التي أدت إلى اختلاف الفقهاء في أبواب الطهارة والصلاة والحج والجهاد؟


يعتبر اختلاف الفقهاء في الشريعة الإسلامية مظهراً من مظاهر السعة والرحمة، وهو ليس اختلاف تضاد بقدر ما هو اختلاف تنوع نابع من مناهج استنباط دقيقة. 

وتكمن أسباب اختلاف الفقهاء الأصولية في كيفية تعامل كل مجتهد مع الأدلة الشرعية وفهم مقاصد الشارع الحكيم.

لقد تناول ابن رشد الحفيد في كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" مسائل الأحكام المختلف فيها والمُتفق عليها بأدلتها، مُنبهاً على نُكَت الخلاف فيها، والتي تجري مجرى الأصول والقواعد.

يمكن إجمال الأسباب الأصولية التي أدت إلى اختلاف الفقهاء في أبواب الطهارة والصلاة والحج والجهاد، بناءً على ما ورد في المصادر، فيما يلي:

أولاً: أسباب الاختلاف العامة (الأصولية الكبرى)

تتلخص الأسباب الأصولية الكبرى للخلاف بين الفقهاء في تعاملهم مع الأدلة الشرعية في 

1.  تعارض الظواهر والآثار (الأحاديث والسنة) 

2.  معارضة القياس للأثر (السنة).

3.  تعارض الآثار مع الكتاب(القرآن) أو مع عموم النصوص.

4.  الاختلاف في مفهوم الأدلة أو تأويلها، مثل الاشتراك في اللفظ أو العموم والخصوص.

5.  تردد الفعل بين الوجوب والندب؛ أي هل فِعل النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل على الوجوب أم على الندب.

6.  تردد العبادة بين أن تكون عبادة محضة (غير معقولة المعنى) تفتقر للنية، أوعبادة معقولة المعنى (كإزالة النجاسة) لا تفتقر للنية.

ثانياً: أسباب الاختلاف الخاصة بكل باب

 1. باب الطهارة

اشتراط النية للوضوء:تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أو عبادة معقولة المعنى (فيه شبه من العبادتين).

المضمضة والاستنشاق: الاختلاف في السنن الواردة في ذلك؛ هل هي زيادة تقتضي معارضة آية الوضوء فتُحمَل على الندب، أم لا تقتضي ذلك فتُحمَل على الوجوب.

مسح الأرجل في الوضوء: الاختلاف سببه القراءتان المشهورتان في آية الوضوء، قراءة النصب (مغسول) وقراءة الخفض (ممسوح).

الموالاة والترتيب في الوضوء: الاختلاف في الاشتراك الذي في واو العطف في الآية، هل تقتضي الترتيب والنسق أم لا.

المسح على الخفين: يُظن أن هناك معارضة بين آية الوضوء (الأمر بغسل الأرجل) وبين الآثار الواردة في المسح.

مس الذكر: تعارض حديثين ثابتين أحدهما يوجب الوضوء (حديث بسرة) والآخر لا يوجبه (حديث طلق بن علي)، فذهب العلماء إلى مذهب النسخ أو الترجيح أو الجمع.

التدلك في الغسل:معارضة ظاهر الأحاديث** الواردة في صفة الغسل لقياس الغسل على الوضوء .

التيمم: تردد حرف "مِنْ" في قوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) بين أن تكون للتبعيض (فتوجب نقل التراب) أو لتمييز الجنس (فلا توجبه).

نوع التراب في التيمم: اشتراك اسم "الصعيد" في لسان العرب بين التراب الخالص وجميع أجزاء الأرض الظاهرة.

2. باب الصلاة

التكبيرات في الصلاة: معارضة ما نُقل من قوله صلى الله عليه وسلم (يفهم منه فرضية تكبيرة الإحرام فقط) لما نُقل من فعله.

التشهد: معارضة القياس (بإلحاقه بسائر الأركان التي ليست بواجبة) لظاهر الأثر (حديث ابن عباس يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن).

الاعتدال والطمأنينة في الركوع: الاختلاف هل الواجب الأخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم (الركوع كفعل) أو بكل ذلك الشيء (الركوع كركْن شامل للطّمأنينة).

الجهر بالبسملة: الاختلاف في الأثر الوارد في ذلك (هل سمعت أو لم تسمع قراءة البسملة) والاختلاف هل هي آية من الفاتحة أم لا.

مرور الشيء بين يدي المصلي: معارضة القول (حديث أبي ذر: يقطع الصلاة المراءة والحمار والكلب الأسود) للفعل (حديث عائشة أنها كانت بين يديه وهو يصلي).

الضحك في الصلاة: شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية، ورد الجمهور ذلك لكونه مُرسلاً ومخالفته للأصول (بأن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلاة ولا ينقضها في غيرها).

القصر في السفر: معارضة المعنى المعقول (لأجل المشقة) لظاهر اللفظ (اسم المسافر) .

الجمع بين الصلاتين في الحضر: الاختلاف في مفهوم حديث ابن عباس، هل كان في مطر أو يُحمل على عمومه مطلقا.

قضاء الصلاة للمتعمد تركها: الاختلاف في جوازقياس العامد على الناسي إذا سُلّم جواز القياس في الشرع.

 3. باب الحج

حق المؤلفة قلوبهم في الزكاة:الاختلاف سببه هل شرع النبي صلى الله عليه وسلم مستمر أو ذلك خاص بزمنه.

إعطاء المجاهد والحاج من الزكاة (في سبيل الله): الاختلاف هل يشمل مصطلح (في سبيل الله) المجاهد والحاج فقط.

حج الصبي:معارضة الأثر للأصول في حكم حج الصبي.

اشتراط الإحرام عن النفس أولاً: اختلافهم في صحة حديث (لبيك عن شبرمة) [49، 50].

وجوب الحج على العبد: تعارض عموم بعض النصوص مع ما خصصته بعض النصوص الأخرى .

ميقات أهل العراق: الاختلاف في صحة حديث ابن عباس، وظاهر تعارض فعل عمر لتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم.

تحويل الحج إلى عمرة (فسخ الحج): هل فسخ الصحابة للحج إلى العمرة في حجة الوداع كان خاصاً بهم، أم هو عام لسائر الأمة.

التحلل بالإحصار بالمرض: هل يُعطى المحصَر بالمرض أحكام المحصَر بالعدو (قياس).

الوطء في الإحرام (بإنزال): هل تُقاس المباشرة مع الإنزال على الجماع، وهل يُقاس الحج على الصيام في المباشرة.

إفساد الحج بوطء الناسي أو الجاهل: هل يُقاس المجامع في الحج على المجامع وهو صائم في كل حال.

مقدار الهدي الواجب على المجامع: هل هناك فرق بين الجماع قبل عرفة وبعدها.

ترتيب أفعال يوم النحر (حلق قبل رمي):ظاهر معارضة فعله صلى الله عليه وسلم (الذي رخص في التقديم والتأخير) للفدية التي أوجبها.

مكان ذبح الهدي: الاختلاف في تأويل الآيات وظاهر تعارضها مع الأثر (كحديث كعب بن عجرة).

 4. باب الجهاد

قتل غير المقاتلين: تعارض ظواهر الآثار وعموم الكتاب، والاختلاف في العلة الموجبة للقتل هل هي الكفر أو إطاقة القتال.

أمان العبد: ظاهر معارضة العموم للقياس.

استحقاق الغنيمة: الاختلاف سببه الأثر والقياس؛ هل يُلحق تأخّر الغازي في الحفظ بتأخّره في الأخذ.

الفرار من قتال الضعف (غير المكافئ): الاختلاف في مفهوم قوله تعالى (الضعف) هل هو العدد فقط أو القوة.

ملاحظة عن منهج ابن رشد:

إن ابن رشد لم يرد إحصاء جميع المسائل الفقهية، بل كان غرضه تشكيل مَلَكَة قادرة على معرفة المسائل المسكوت عنها من خلال تدريب المجتهد على كيفية التعامل مع المسائل المنطوق بها، ويُكثر من ذكر التعارض بين الأدلة كسبب للخلاف. ويتم التعامل مع هذا التعارض بدفع الظاهر منه إما بمذهب الجمع أوالترجيح أو النسخ.

و قد يرجع سبب الاختلاف إلى الاختلاف في صحة الآثار الواردة أو إلى الاختلاف في العمل بالأثر الوارد.

تعليقات