كيف تطلب العلم؟ إضاءات في أدب ومنهج طلب العلم و منهجية للتحصيل المثمر

"تعرف على كيفية طلب العلم الشرعي بفعالية من خلال إضاءات منهجية تجمع بين أدب الطلب وقواعد التحصيل المثمر. دليل عملي يساعدك على رسم خارطة طريقك العلمية من البداية وحتى التمكين."

إن طلب العلم الشرعي هو أشرف المسالك وأعلى الرتب، فهو الطريق الموصل إلى جلال الله وجنته. 

قبل أن ندلَّك على منجهية التعلُّم يبغى أن ننبَهك إى عدة أمور لتضيء لك طرق طلب العلم :

1- العلم هو :الحفظُ والفَهمُ والعملُ والتطبيقُ ، والتخلُّق والتعبدُ ، والتصوُّن والتحقُّق، والمحاسبةُ للنفس والمراقبةُ لله ، والاهتداءُ بهدى النبي  والاقتداء بسيرة الصحابة والتابعين. 

2- يجب أن تعرفَ شرفَ العلم الذى تطلُبه ، وشرف المكانة التى بوَّأها الله إياك ، فعليك أن تفتخر بفضل الله عليك أن وضعك فى هذه المكانة المرموقة لتكون من حملة مواريثِ النبوة.

3- الزم منهجَ جماهيرِ علماء الإسلام ، عقيدةً وشريعةً وتزكيةً وهذا المنهج المتمثِّلٌ فى المنهج العلميِّ للأزهر الشريف .

4- كن يقظاً واعياُ بحاجات عصرك والمسجدَّات من حولك وقم بواجب وقتك فى كل مرحلة تكون فيها واعم أن أوجب الواجبات عليك : تحمُّلُ العلم وتكوين نفسك تكويناً علمياً صحيحاً. 

5- كن جميلا فى ظاهرك بالتجمُّل في لباسك ما ستطعتَ ، وجميلا فى باطنك بسلامة الصدر ، وكثرة الذكر ، والمحافظة على العبادات والطاعات .

6-  العملية التعليمية الناجحة ، لابد من توافر خمسة اركان (الطالب ، الأستاذ ،المنهج ،الكتاب ،البيئة العلمية) 

وقد قيل آلات العلم أربع : شيخٌ فتَّاح ، عقلٌ رجَّاح ، وكتبٌ صِحاح ، ومدومةٌ والحاح . 

قال إمام الحرمين أبو المعالي الجوينى (ت478) رحمة الله :

أَصغْ لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ ... سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ

ذَكاءٍ وَحِرصٍ وَافتقارٍ وغربةٍ ... وَصُحبَةِ أُستاذٍ وَطولِ زَمانِ

7- أول ماينبغي الاشتغال ُ به وتحصيله من العلوم : الفقه المذهبي والعربيه (النحو والصرف والبلاغة والادب).

8- أعلم أن أسس نهضتنا الحضارية قائمة ٌ على ثلاثة أركان : ( اللغة و الأخلاق والتوثيق . فاهتم فى البداية بعلوم العربية ، وتزوَّدْ وتزود دائما بالاخلاق الحسنة الفاضلة واجعل حياتك كلها قائمة قائمة على منهجية التوثيق والتثبت.

9- تحصيل العلم يكون من خلال طريقتين : 

  الأولى : تحصيل التلقى عن شيخ ، وينبغى أن يكون الشيخ الذى تأخذ عنه  ممن له على العلوم الشرعية تمام الاطلاع ، وله مع مَن يوثق به من مشايخ عصرة كثرة بحث وطول اجتماع ، لا ممن أخذ من بطون الاوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذَّاق ، فكم من مٌتبجِّح بأنه ليس له شيخ ٌ وأنه بنى نفسَهُ بنفسِه ، فاعلم  أن مثل هذا الذى أخذ العلم عن السطور فقط ، سيَضِل ويُضل.

والثانية : تحصيل الجهد الشخصى في المطالعة الخاصة به ، مع الرجوع إلى الشيخ فيما يُشكِل ولا بدَّ من سلوك الطريقين معاً.    

10- الزم الأدب فى نفسك مع الله فراقبه فى كل أنفاسِك  ، واحذر المعصية فإنها ظُلمة ، والعلم نور الرسالة المحمدية ، والنور والظلمة لا يجتمعان فى قلب واحد .

11- الزم الأدب مع شيخك الذى هو بمنزلة والدك فأعطيه حقه من التبجيل والاحترام ، فى الأقوال والأفعال ، وقد قالوا قديماً : " ما فاز مَن فاز إلا بالأدب ، وما سقط مَن سقط إلا بسوء الأدب ".

       وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (ت150) رحمة الله تعالى : " ما مددت رجليَّ نحو دار أستاذى حماد بن سليمان إجلالا له ، وكان بين داره ودارى سبعُ سِكَك"

12- فى مجالس العلم هناك ثمة آداب يجب مراعاتها فمجلس العلم ليس مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل هو عبادة تُحفها الملائكة وتغشاها الرحمة وتتنزل فيها السكينة . ولذا، وضع العلماء جملة من الآداب التي ينبغي لطالب العلم مراعاتها لضمان بركة التحصيل وكمال الانتفاع، وهي كالآتي:

الآداب قبل دخول المجلس

  • أصطحب معك الكتاب الذى تدرسه ، لتتابع أستاذك فى شرحه.
  • التحضير المسبق : من أعظم آداب الدرس أن يأتي الطالب مستعداً عبر قراءة الدرس جيداَ و محاولة حل عبارة المتن وفهمها ذاتياً قبل الشرح، ثم النظر في الشروح والحواشي ليكون حضوره أمام الأستاذ لتقويم الفهم وليس لمجرد التلقي السلبي ، فهذا يوفر الوقت فى الشرح ، وفى فهمك المستوعب السريع ،  لما يلقيه عليك الشيخ .
  • الحضور المبكر: الحذر من التأخر عن موعد الدرس، فقد قيل: "فاتك من العلم بقدر ما تأخرت".

 السمت والهيئة داخل المجلس

  • السكينة والوقار: يجب أن يسود المجلس الصمت والخشوع التام؛ وقد وصف الرواة حلقات العلم بأنها تكون "كأنما قُطعت رؤوسهم من خفض الرؤوس والخشوع والصمت" .
  • حسن الجلسة: الجلوس بتواضع أمام الشيخ، وتجنب الالتفات أو الانشغال بما يشتت الذهن، واستحضار هيبة العلم خاصة عند قراءة الحديث النبوي .
  • تجنب الجدال والمماراة: الاحترام الظاهر للمعلم يقتضي عدم مجادلته أو الاحتجاج عليه في كل مسألة وإن علم الطالب خطأه، لأن الجدال قد يحرم الطالب من فيض علم الشيخ.

 أدب الاستماع والسؤال

  • الإنصات التام: الإصغاء لكل ما يلقيه المعلم بتركيز عالٍ، وعدم مقاطعته .
  • الأدب في التخاطب: تجنب مخاطبة الشيخ بـ "تاء" الخطاب أو "كافه" (مثل: قلتَ، رأيكَ)، بل مخاطبته بلقب التوقير كقوله: "يا شيخي" أو "يا أستاذنا"، وعدم مناداته من بعيد .
  • عدم التنطع في السؤال: الحذر من الأسئلة التعنتية أو التي لا نفع فيها، واغتنام أوقات نشاط الشيخ وفراغه للسؤال .

 هيبة المعلم وإجلاله

  • نماذج ملهمة في إجلال المجلس، مثل الإمام الشافعي الذي كان يصفح الورقة بين يدي الإمام مالك صفحاً رفيقاً هيبة له، والربيع الذي لم يجترئ على شرب الماء والشافعي ينظر إليه .
  • احترام الباطن: وهو ألا ينكر الطالب في قلبه ما يقبله منه في الظاهر، لئلا يتسم بالنفاق العلمي.

 الآداب بعد انقضاء المجلس

  • المراجعة والضبط: لا ينتهي دور الطالب بانتهاء الدرس، بل يجب عليه المراجعة الفورية والتكرار لترسيخ المعلومات قبل أن تتشتت الأذهان .
  • المذاكرة مع الأقران: مذاكرة ساعة مع زميل حاذق بعد الدرس مباشرة لشرح ما استغلق من المسائل وتثبيت المعلومات تُعد من أنفع وسائل التحصيل .
  • تقييد الفوائد: الحرص على كتابة النكات العلمية والزيادات التي يوردها الأستاذ ولم تكن موجودة في الكتاب المعتمد.

 إن رعاية هذه الآداب هي التي تحول العلم من مجرد معلومات جافة إلى نور يزكي النفس ويفتح مغاليق الفهم، فمن "ضيع الأصول (والآداب) حُرم الوصول".

13- لا تيأسنَّ من نفسك ، فالعلم يحتاج إلى صبر طويل ، ولا تتعجَّلنَّ الثمرة ، فإن آفةَ العلم استعجال الثمرة.

14- لا يصلُحُ العلم لطالب  متلاعب ، تار يقرأ ويتعب وتارة يلهو ويلعب .

15- العلم لا يكون طوع الانسان يأخذ منه ويستفيد ، ويحتج ويستدل ، مع راجة الجسم ولذيذ المُقام ، وطيب المنام ، بل لابدَّ من التعب والنصب ، وتحمل المشاق وغربةِ الاسفار .

وكرر المرة بعد المرة القراءة فى كتاب ( صفحات من صبر لعلماء ) فإنه من أكبر الحوافز لك .

     وقد قال الإمام التابعيُّ المشهور يحيى بن أبى كثير ( ت 129) رحمة الله تعالى : " لا يُنال العلمُ براحة الجسد "

    و قال الإمام عبدُ الملكِ بن قُرِيبٍ الأصمَعىُّ (ت 216) رحمة الله تعالى : " من لم يحتملْ ذُلَّ التعلمِ ساعةً ، بقيَ فى ذُلِّ الجهل أبداً".

   وقال تقى الدين السُّبكى (ت756) رحمة الله تعالى : من عرف ما يُطاب هان عليه ما يبذُلُ".

16-احرص على وقتك كلَّ الحرص ، وعَضَّ عليه بنواجِذَيك ، ولا تضيع شيئاً من عمرك الإ فى الإفادة أو الاستفلدة ,  وكرر المرة بعد المرة القراءة فى كتاب (قيمة الزمان عند العلماء  ) فإنه من أكبرمعينٍ لك فى دفْعك نحو الحرص على وقتك .

17-  لا تقضِ يومك أو يلتَك بالتنقُّل من كتاب إلى كتاب ، ومن علم إلى علم ، بل اجمع همك وركز جهدك ، فى علوم معدودة وكتب محدودة حتى لاينفرط منك عقد الوقت دون استفادة.

18- ومن الحرص على الوقت أن لا تُغريق نفسك فى مواقع التواصل الاجتماعى ، وخذ منها القدر الضرورى وإياك أن تستنزف من الساعات الطوال.

19- لا تصاحب إلا من يُعينُك على التحصيل ، ودع عنك مَن سواهم ، فإن صحبتهم لا تفيد. 

       قال بن عطاء السكندرى (ت702) رحمة الله تعالى : "  لا تصحبْ مَن لا ينهضك حالُه ، ولا يُّدلك على مقالُه"

20- قلل  ماستطعت من النوم والطعام والشراب ،قال بن جماعة (ت733) رحمة الله تعالى

" من رام الفلاح فى العلم ، مع كثرة الأكل والشرب والنوم ، فقد رام مستحيلاً فى العادة" 

21- لكل إنسان ثلاثةُ  أعمار: عمر زمنى من يوم ولادته ،وعمرة العقلى حسب ما وهبة الله من مدارك ، وعمر علمى وذللك من يوم بَدء دراسته للعلم .

22 - اجعل العلم حياةً لك تعيش به وذلك بالمذاكرة وهى المباحثة والمساءلة مع أقرانك وشيوخِك .

       ولذلك قال النووى (ت676) رحمة الله تعالى : " ومذاكرة حاذقٍ فى الفن ساعة ً ، أنفع من المطالعة والحفظ ساعات ٍ بل أياماً" 

23- عليك بحفظ متْن فى كل علم أو فى بعض العلوم  : ك(الخريدة أو الجوهرة) فى التوحيد و(السلم )فى النطق  و(الجوهرة المكنونة) فى البلاغة  و(ألفية بن مالك) فى النحوى والصرف و(ألفية السيوطى) فى علوم الحديث  و ( تحفة الأطفال أو متن الجزرية) فى التجويد .

فقديماً قالوا : " من حفظ المتون حاز الفنون"

فالحفظ مع الفهم عِماد العلم وزادُ العالم .

24- مهما تخصصت فى أى علم ، فلابد أن تكون لك مشاركة فى باقى العلوم ولو أن تنهى مرحلة المبتدئين فى كل علم 

        قال بن الجوزى (ت 597) رحمة الله تعالى : "فينبغى لكل ذى علم أن يساهم بباقى العلوم ، فيطلع منها طرفا إذ لك علم بعلم تعلٌّقٌ" 

25- كن صاحب رسالة فى هذه الحياة ، ورسالتك هى التعلُّم للعمل بما علمت َ، ولتعليمِ الأمة وتصحيح مسارها ، إن أى رسالة تَفسُد عندما تتحول إلى وظيفة ، فلا تتخذَنَّ العلم والدعوة إلى الله وظيفةً أو صناعةً ومصدر عيشٍ وكسب ٍ،  بل قم برسالتك على الوجه الأكمل بغض النظر عن عن هذه الأمور كلِّها.

26- ترفع عن حطام الدنيا ، ولا يتعلقنَّ قلبك بها، ومهما جاءك منها فاجعله فى يدك لا فى قلبك ، وكن مع أهلها مطلوبا ً لا طالباًً ، ومقصوداً لا قاصداً ، واعلم أن الرضا بالقليل والكَفاف خيرُوسيلة للعُزوف والانكفاف.

27- فليس العالم مجردَ ظاهرة ٍ صوتية ، يرددُ ما هو موجودٌ فى الكتب ، ويحفظُ جملة مستكثَرةً من المسائل ، ولو فى فنونٍ متعددة ، ومع ذلك هو مخالفٌ لجماهير علماء الأمة فى الفَهم أصولاً وفروعاً ، معقولاً ومنقولاً .

أو يكون متقنا للمساءل ، وسائرا على المنهج المنضبط فى الفَهْم ، ولكنه معروفٌ عنه قِلَّةُ الديانة وقلةُ الورع وحب الدنيا فمثل ذلك علمُه وبالٌ عليه .  

من خلال كل ما سبق لعلَّه قد تبيَّنَ لك أن العالم الحق مَن توافرت فيه شروطٌ ثلاثةٌ :

  • إتقان مسائلِ العلم . 
  • والسير على المنهج العلمى المنضبط (عقيد وشرية وتزكية ) .
  • والعمل بالعلم.  

واعلم أن عدمَ تلقى العلم عن الشيوخ المعتبرين ، وعدمَ التدرج فى طلبه بِناءً على منهج صحيح : يوقعان صاحبهما لا محالةَ فى الشذوذِ العلمى .

وأخيراً : ليس العلمُ مطلوباً لذاته ، بل هو وسيلةٌ تزدادُ بها معرفةً لله تعالى ويقيناُ به ، وكما قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : " ليس العلم كثرة لحديث ، إنما العلم خشية الله "

فالعلم مِفتاح وطريقٌ يصنع سلوكا فاضلا وإنسانا راقيا .

فأوثِق رباطك بالله وتعلَّقْ به ، واعلم بأنه:

إذا لم يكم عونٌ من الله للفتى  * فأول نا يجنى عليه اجتهاده

كن يا طالب العلم مشروعاً صالحاً لأمتك، واستعن بالله دائماً (إياك نعبد وإياك نستعين)، واجعل العلم وسيلة للتعبد والخشية لا مجرد جمع للمعلومات .

والله يتولاك ويرعاك  

تعليقات