يومُ عرفةَ.. يومُ المباهاةِ الإلهية

فضل يوم عرفة

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ . أمَّا بعدُ:

أولًا: فضائلُ يومِ عرفةَ.

من فضلِ اللهِ تعالى على أُمّةِ محمدٍ ﷺ أنْ جعلَ لهم مواسمَ للطاعاتِ تتضاعفُ فيها الحسناتُ، وتُرفعُ فيها الدرجاتُ، ويُغفرُ فيها كثيرٌ من المعاصي والسيئاتِ، فالسعيدُ من اغتنمَ هذه الأوقاتَ، وتعرّضَ لهذه النفحاتِ، ومن هذه النفحاتِ يومُ عرفةَ، فيومُ عرفةَ من الأشهرِ الحرمِ التي تتضاعفُ فيها الحسناتُ كما تتضاعفُ فيها السيئاتُ، وهو من جملةِ الأيامِ الأربعينَ التي واعدَ اللهُ موسى أنْ يكلّمَهُ فيها، وقد أكملَ اللهُ فيه الدينَ وأتمّ علينا النعمةَ، فعن عمرَ بنِ الخطابِ، أنَّ رجلًا من اليهودِ قالَ له: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكم تقرؤونَها لو علينا معشرَ اليهودِ نزلتْ لاتخذنا ذلكَ اليومَ عيدًا؛ قالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: {اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا} [المائدة: 5]. قالَ عمرُ: قد عرفنا ذلكَ اليومَ والمكانَ الذي نزلتْ فيه على النبيِّ ﷺ، وهو قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعةٍ. (متفقٌ عليه).

وقد تضافرتْ النصوصُ النبويةُ في كثرةِ المغفرةِ والعتقِ مِن النيرانِ في يومِ عرفةَ، فعن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:” مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟” (مسلم). وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه ، قال : قال رسولُ اللهِ : « إنّ اللهَ يُباهِي بأهلِ عرفاتٍ أهلَ السماءِ فيقولُ لهم : انظرُوا إلى عبادِي جاءونِي شُعثًا غُبرًا » « البيهقى وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وصححه».

وعن أنسِ بنِ مالكٍ قال : ” وقفَ النَّبيُّ بعرفاتٍ وقد كادت الشَّمسُ أن تَؤوبَ فقال: يا بلالُ أنصِتْ لي النَّاسَ. فقام بلالٌ فقال: أنصِتوا لرسولِ اللهِ ؛ فأنصت النَّاسُ فقال: معشرَ النَّاسِ أتاني جبرائيلُ عليه السَّلامُ آنفًا فأقرأني من ربِّي السَّلامُ وقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غفر لأهلِ عرفاتٍ وأهلِ المَشعَرِ وضمِن عنهم التَّبِعاتِ. فقام عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه فقال: يا رسولَ اللهِ هذا لنا خاصَّةً؟! قال: هذا لكم ولمن أتَى من بعدِكم إلى يومِ القيامةِ. فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه: كثُر خيرُ اللهِ وطاب. ” ( الترغيب والترهيب للمنذري ؛ وقال: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما).

وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ”: مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ؛ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ.” (مالك والبيهقي).

ففي يومِ بدرٍ جاء الشيطانُ في صورةِ رجلٍ يحفزُ المشركين على قتالِ المسلمين، وفجأةً رأى جبريلَ عليه السلام ومعه جيشٌ مِن الملائكةِ، فولّى الشيطانُ ورجعَ القهقري، ونكصَ على عقبيهِ لمّا رأى الملائة . ” فعن ابنِ عباسٍ قال: جاء إبليسُ يومَ بدرٍ في جندٍ مِن الشياطين، معه رايتُهُ، في صورةِ رجلٍ مِن بني مدلج، والشيطانُ في صورةِ سراقةَ بنِ مالكٍ بنِ جعشمٍ، فقالَ الشيطانُ للمشركين: { لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } فلمّا اصطفَّ الناسُ أخذَ رسولُ اللهِ قبضةً مِن الترابِ فرمَى بها في وجوهِ المشركين، فولُّوا مدبرين وأقبلَ جبريلُ عليه السلام، إلى إبليس، فلمّا رآهُ -وكانت يدهُ في يدِ رجلٍ مِن المشركين -انتزعَ يدَهُ ثمّ ولّى مدبرًا هو وشيعتُه، فقال الرجلُ: يا سراقة، أتزعمُ أنّك لنَا جار؟ فقال: { إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وذلك حين رأىَ الملائكةَ.” ( تفسير ابن كثير ).

بل إنّ الشيطانَ يحثُو الترابَ على رأسهِ ويدعُو بالويلِ والثبورُ لمَا رأى مِن تنزلِ كلِّ هذه الرحماتِ والبركاتِ، فَعَن عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ ، فَأُجِيبَ : إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الظَّالِمَ ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ ، قَالَ : ” أَيْ رَبِّ ، إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ ” ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ ، قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ، أَوْ قَالَ : تَبَسَّمَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا ، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ ؟ ، قَالَ : ” إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي ، أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ ”. ( ابن ماجة وأبو يعلى؛ وقال المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما).

إنّ يومَ عرفةَ يومٌ أقسمَ اللهُ تعالى بهِ، والعظيمُ لا يقسمُ إلّا بعظيمٍ، فهو اليومُ المشهودُ في قولهِ تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }. [البروج: 3]. فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ تعالى عنه أنّ رسولَ اللهِ قال: «اليومُ الموعودُ يومُ القيامةِ، واليومُ المشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهدُ يومُ الجمعةِ». (صحيح الترمذي).

فيومُ عرفةَ مِن أفضلِ الأيامِ التي تتنزلُ فيها الرحماتُ وتغفرُ فيها المعاصي والسيئاتُ.

ثانيًا: ما يجبُ على المسلمِ في يومِ عرفةَ.

يجبُ على المسلمِ في يومِ عرفةَ حتى يكونَ مِن الفائزين، عدةُ أمورٍ:

منها: الإكثارُ مِن الدعاءِ وسؤالِ حاجتِه في هذا اليومِ الأغرِّ المباركِ: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.” ( الترمذي وحسنه).

 قال ابنُ عبدِ البر – رحمه اللهُ – : وفي ذلك دليلٌ على فضلِ يومِ عرفةَ على غيرِه.

ومنها: صيامُ يومِ عرفةَ: وهو يومُ الحجِّ الأكبرِ، ويومُ مغفرةِ الذنوبِ، ويومُ العتقِ مِن النيرانِ، ولو لم يكنْ في عشرِ ذي الحجةِ إلّا يومُ عرفةَ لكفانَا ذلك فضلًا، فعن أبي قتادةَ الأنصاريِّ رضي اللهُ عنه قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ عن صومِ يومِ عرفةَ ؟ فقال ” صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ.”( مسلم).

وهذا لغيرِ الحاجِّ، أمّا الحاجُّ فلا يُسنُّ له صيامُ يومِ عرفةَ؛ لأنّهُ يومُ عيدٍ لأهلِ الموقفِ.

ومنها: حفظُ الجوارحِ: يجبُ على المسلمِ أنْ يحفظَ سمعَهُ وبصرَهُ ولسانَهُ وجميعَ جوارحِهِ في هذا اليومِ، ففي صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ جابرٍ رضي اللهُ عنه في وصفِ حجةِ النبيِّ أنّهُ ” أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ؛ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ؛ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ….”

فعلينا أنْ نحفظَ جوارحَنَا في هذه الأيامِ المباركةِ، وأنْ نجتهدَ في الطاعةِ، فالحسناتُ مضاعفةٌ لحرمةِ الزمانِ والمكانِ، كما يجبُ علينا أنْ نبتعدَ عن الذنوبِ والمعاصي؛ لأنَّ العقابَ مضاعفٌ أيضًا لحرمةِ الزمانِ والمكانِ.

ومنها: القيامُ بحقوقِ اللهِ على العبدِ: يقولُ أحدُ السلفِ: " مَن فاتَهُ في هذا العامِ القيام بعرفةَ فليقمْ للهِ بحقّهِ الذي عَرَفَه، ومَن عجزَ عن المبيتِ بمزدلفة، فليُبيِّت عزمَهُ على طاعةِ اللهِ وقد قرَّبَهُ وأزلفَهُ، ومَن لم يقدرْ على نحرِ هديهِ بمنَى فليذبحْ هواهُ هنا وقد بلغَ المُنى، ومِن لم يصلْ إلى البيتِ لأنّه منهُ بعيد، فليقصدْ ربَّ البيتِ فإنّه أقربُ إليه مِن حبلِ الوريد ". ( لطائف المعارف لابن رجب).

ثالثًا: سنةُ الأضحيةِ خصائصٌ وفضائلُ .

الأضحيةٌ سنةٌ مؤكدةٌ عن النبيِّ ، وذبحُ الأضاحِي يكونُ بعدَ صلاةِ العيدِ مباشرةً، لقولهِ تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }(الكوثر: 1- 3)، وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (متفق عليه). ووقتُ الذبحِ أربعةُ أيامٍ، يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامِ التشريقِ، لما ثبتَ عن النبيِّ أنّهُ قال: "كلُّ أيامِ التشريقِ ذبحٌ" .( ابن حبان وأحمد والبيهقي).

كما يستحبُّ ألّا يأكلَ حتى يرجعَ مِن الصلاةِ فيأكل مِن أضحيتهِ، فإنْ لم يكنْ لهُ مِن أضحيةٍ فلا حرجَ أنْ يأكلَ قبلَ الصلاةِ، فقد "كان رسولُ اللهِ لا يطعمُ حتى يرجعَ مِن المصلى فيأكلُ مِن أضحيتهِ" [أحمد والبيهقي].

والأضحيةُ لها حِكَمٌ وثمراتٌ وفوائدُ ودلالاتٌ كثيرةٌ :

منها: أنّ الأضحيةَ شُكْرٌ للهِ تعالى على نِعمهِ الكثيرةِ التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى. قالَ تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.(الحج: 36).

ومنها: أنّ الأضحيةَ إحياءٌ لسُنَّةِ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حين أمَرَه الله عزَّ اسمُه بذَبحِ الفِداءِ عن ولَدِه إسماعيلَ عليه الصَّلاة والسَّلامُ في يومِ النَّحرِ، وأن يتذكَّرَ المؤمِنُ أنَّ صَبرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ- عليهما السَّلامُ- وإيثارَهما طاعةَ اللهِ ومحَبَّتَه على محبَّةِ النَّفْسِ والولدِ- كانا سبَبَ الفِداءِ ورَفْعِ البلاءِ، فإذا تذَكَّرَ المؤمِنُ ذلك اقتدى بهما في الصَّبرِ على طاعةِ الله، وتقديمِ محبَّتَه عزَّ وجلَّ على هوى النَّفْسِ وشَهْوَتِها.

يقولُ ابنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: مِن فضلِ اللهِ على الأمةِ أنّه لم يتم الذبحُ لإسماعيلَ عليه السلام، فلو تمَّ الذبحُ لأصبحَ ذبحُ الأولادِ سنةً. وقال الإمامُ أبو حنيفةَ: فيه دليلٌ على أنّ مَن نذرَ أنْ يذبحَ ولدَهُ يلزمهُ ذبحُ شاةٍ.

وإذا كان الخليلُ وابنهُ إسماعيلُ عليهما السلامُ قد ضربَا لنَا أروعَ الأمثلةِ في الفداءِ والتضحيةِ والاستجابةِ لأوامرِ اللهِ عزّ وجلُ، فعلينَا أنْ نضحِّي بأموالِنَا وأوقاتِنَا وأفعالِنَا وأقوالِنَا ونجعلَهَا كلَّهَا طاعةً واستجابةً وخضوعًا للهِ عزّ وجلّ .

ومنها: أنَّ الأضحيةَ وسيلةٌ للتَّوسِعةِ على النَّفْسِ وأهلِ البَيتِ، وإكرامِ الجارِ والضَّيفِ، والتصَدُّقِ على الفقيرِ، وهذه كلُّها مظاهِرُ للفَرَحِ والسُّرورِ بما أنعَمَ اللهُ به على الإنسانِ، وهذا تحدُّثٌ بنعمةِ الله تعالى، كما قال عزَّ اسمُه: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. [الضحى: 11].

ومنها: أنَّ في الإراقةِ مبالغةً في تصديقِ ما أخبَرَ به اللهُ عزَّ وجلَّ، مِن أنَّه خَلَقَ الأنعامَ لنَفْعِ الإنسانِ، وأَذِنَ في ذَبْحِها ونَحْرِها؛ لتكونَ طعامًا له.

أيها الإخوة المسلمون: لا يفوتُنا في هذا المقامِ ونحنُ نتكلمُ عن فضلِ الأضاحي التنبيهُ على عدمِ إلقاءِ مخلفاتِ الأضاحي والقمامةِ في الشوارعِ والطرقاتِ، لأنَّ ذلكَ يُشوِّهُ المظهرَ العامَّ، ويؤذي الناسَ، وينافي ما دعا إليه الإسلامُ من النظافةِ والإحسانِ وحفظِ حقوقِ المارَّةِ والجيرانِ. لذلكَ جعلَ النبيُّ ﷺ إماطةَ الأذى عن الطريقِ شعبةً من شعبِ الإيمانِ؛ فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ - أو بضعٌ وستونَ - شعبةً، فأفضلُها قولُ لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ» [مسلم].

فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ كمالَ الإيمانِ لا يظهرُ في العباداتِ وحدَها، بل يمتدُّ أثرُهُ إلى سلوكِ المسلمِ في حياتِه العامةِ، فيُزيلُ ما يؤذي الناسَ، ويحفظُ نظافةَ الطرقاتِ، ويصونُ المرافقَ من القاذوراتِ، فينالُ بذلكَ شكرَ اللهِ ومغفرتَهُ لهُ.

فعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، وجدَ غصنَ شوكٍ على الطريقِ، فأخَّرَهُ، فشكرَ اللهُ لهُ، وغفرَ لهُ». [صحيحُ البخاري].

فعلينا أنْ نكونَ قدوةً للعالمِ كلِّهِ بأفعالِنا وسلوكياتِنا قبلَ أقوالِنا ومواعظِنا، وأنْ نجتهدَ في العبادةِ والطاعةِ في هذه الأيامِ المباركاتِ؛ فهي أفضلُ الأيامِ على الإطلاقِ، وأنْ نكثرَ من الطاعاتِ والقرباتِ، وأنْ نبتعدَ عن المعاصي والسيئاتِ، حتى نفوزَ بسكنَى الفردوسِ الأعلى من الجناتِ


تعليقات